كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وفي رواية للبخاري قالوا {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ} 12 فقيل له إن كشفنا عنهم القحط عادوا فدعا ربه فكشف عنهم وسقوا الغيث، وأطبقت السماء عليهم فشكوا كثرة المطر فلجأوا إليه صلى الله عليه وسلم، فقال «اللهم حوالينا ولا علينا» فكشف عنهم.
ومع ذلك عادوا إلى إصرارهم وكفرهم فانتقم اللّه منهم يوم بدر، فذلك قوله تعالى: {فَارْتَقِبْ} إلى قوله: {إِنَّا مُنْتَقِمُونَ}.
هذا، وإطلاق الدخان على ما يراه الجائع أو على الذي يرى عند تكدر الهواء لا يأباه وصفه بقوله: {مُبِينٍ} لأنه مما يتخيل ويتوهم أنه دخان ظاهر، وقد يقره العقل.
واعلم بأن إرادة الجدب من هذا الدخان والمجاعة مجاز من باب ذكر السبب وإرادة المسبب، وهذا هو الصارف عن إرادة الظاهر، لأنه لوكان المراد به الدخان الذي هو من علامات الساعة لما صح قوله تعالى على لسانهم: {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذابَ} ولم يصح أيضا قوله جل جلاله: {إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ} الآية، إذ لا يكون شيء من ذلك يوم القيامة.
هذا، وما روى البخاري ومسلم عن عبد اللّه بن مسعود قال (خمس قد مضين أي من علامات الساعة اللزام والروم والبطشة والقمر والدخان) فهو غير هذا الدخان المقصود في هذه الآية، وعلى فرض صحته فيها وهو بعيد فتكون الآية على ظاهرها وتلزم بأن نقول إن المخاطب بها غيره صلى الله عليه وسلم ممن لم يخلق بعد أونجبر أن نقول بوقوعها في زمانه صلى الله عليه وسلم وهو خلاف الواقع، إذ لم يثبت أن هذه العلامة وقعت بزمنه صلى الله عليه وسلم.
وعلى كل الحالين فلا يصح تأويلها به واللّه أعلم.
هذا وقد وقع في دير الزور وأطرافها سنة 1931- 1932 غبار في أوقات متفرقة بسبب انقطاع الأمطار ويبس الأرض وارتفع بالجوفأظلم الأفق وصار ذلك الفضاء العظيم ملأن بما يشبه الدخان حتى أنرلنا المصابيح لأنا صرنا بحالة لم ير أحدنا الآخر من كثافة ذلك الغبار ولا نستطيع الخروج إلى الساحات والطرق وضاقت النفوس وأولئك كثير من الأطفال والشيوخ أن يهلكوا لو لا أن منّ اللّه تعالى علينا بكشفه بعد ساعات، بما يدل على أن هذا مثل ذلك، وأن الدخان الذي هو من علامات الساعة لم يقع بعد، وما رواه البغوي بإسناد الثعلبي عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم «أول الآيات الدخان ونزول عيسى بن مريم ونار تخرج من قعر عدن أبين (على وزن اقرن جزيرة اليمن) تسوق الناس إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا. قال حذيفة يا رسول اللّه وما الدخان؟ فتلا هذه الآية (المارة) يملأ ما بين المشرق والمغرب يمكث أربعين يوما وليلة، أما المؤمن فيصيبه منه كهيئة الزكام، وأما الكافر كمنزلة السكران يخرج من منخريه وأذنيه ودبره» فعلى فرض صحة هذا الحديث فهو صريح بأنه يكون آخر الزمان وهو من علامات الساعة ولا ينطبق بصورته المبينة في هذا الحديث على هذه الآية بمقتضى ما فسرت به وواقع الحال في ذلك الزمن، إذ لم يثبت وقوعه البتة على الصورة المبينة في هذا الحديث، وتلاوة الآية من قبل حضرة الرسول على فرض صحته يكون من قبيل التمثيل، لأن الآية صالحة لذلك مجازا لا حقيقة، وعليه فإن ما جرينا عليه من التفسير هو ما عليه جمهور جهابذة المفسرين ومروى عن قتادة وأبي العالية والنخعي والضحاك ومجاهد ومقاتل واختاره الزجاج والقراء.
قال تعالى: {أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرى} أي كيف يتذكرون ومن أين يتعظون بما أصابهم {وَقَدْ جاءَهُمْ رسول مُبِينٌ} 13 لكل ما يهمهم من أمر دينهم ودنياهم فهو أعظم واو لى من أن يتذكروا به ولم يتذكروا {ثُمَّ تَولوا عَنْهُ} ولم يلتفتوا إليه ولم يصغوا لإرشاده {وَقالوا مُعَلَّمٌ} من قبل الغير يعنون عداما غلاما لبعض ثقيف أعجمي ولم يكتفوا بقولهم معلم بل قالوا {مَجْنُونٌ} 14 أيضا لأنه يغشى عليه كالمجنون، وذلك أنهم يرونه حين ينزل عليه الوحي كالمغمى عليه، قال تعالى: {إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ} القحط الذي حل بكم إجابة لدعوة نبيكم ومؤخرون العذاب الآخر {قَلِيلًا إِنَّكُمْ} يا أهل مكة {عائِدُونَ} 15 إلى الكفر والجحود لا محالة سواء أمهلناكم أم لا، ولهذا لم نرجئكم كثيرا، فانتظروا {يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرى} فيكم بالدنيا في بدر وغيرها وفي الآخرى أكبر وأشد لأن يوم بدر مهما كان عظيما لا يبلغ هذا المبلغ الموصوف بالآية ولا يحصل به الأنتقام النام من الكفرة، ولكن يوم القيامة بعد الفصل بين الناس {إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} 16 منكم الأنتقام القاسي وناهيك بالجبار إذا كان هو المنتقم كفانا اللّه شر انتقامه {ولقد فَتَنَّا قَبْلَهُمْ} قبل قومك يا سيد الرسل {قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجاءَهُمْ رسول كَرِيمٌ} 17 على ربه مثل ما أنت كريم عليه، ولما كان إرساله للقبط قوم فرعون ولبني إسرائيل قومه قال موسى لفرعون وملائه {أَنْ أَدُّوا} أعطوا وسلموا {إِلَيَّ عِبادَ اللَّهِ} الذين استعبدتموهم وتخلوا عنهم {إِنِّي لَكُمْ رَسُو ل} من اللّه بذلك {أَمِينٌ} 18 على أداء الرسالة إليكم {وَأَنْ لا تَعْلُوا} تترفعوا وتتبختروا وتستكبروا {عَلَى اللَّهِ} الذي أرسلني إليكم، وإن شئتم بيّنة على صدقي {إِنِّي آتيكم بِسُلْطانٍ مُبِينٍ}.
19 دليل واضح وبرهان ساطع تقتنعون به إذا لم يتغلب عليكم العناد والمكابرة.
فلما سمعوا هذا منه هددوه وتوعدوه بالقتل إن لم يكف عنهم فقال لهم {وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ} 20 تقتلوني رجما بالأحجار أوتؤذوني بكلام قبيح، وإنما قال عذت، لأن اللّه تعالى أخبره بقوله: {فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بآياتنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ} الآية 35 من سورة القصص في ج 1، راجع تفسيرها.
ولوثوقه بعهد ربه أنهم لا يتمكنون من أذاه كرّ عليهم فقال: {وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ} 21 أيها القبط وخلوني واتركوا لي بني إسرائيل قومي إذ أيس منهم وعلم بإعلام اللّه إياه أن القبط لا يؤمنون {فَدَعا رَبَّهُ} قائلا في دعائه {أَنَّ هؤُلاءِ} القبط قوم فرعون {قَوْمٌ مُجْرِمُونَ} 22 لا يهتدون إلى الرشاد لكثرة إجرامهم، فاهلكهم يا رب وأنجز لي وعدك فيهم، فأجابه بقوله: {فَأَسْرِ بِعِبادِي} بني إسرائيل خاصة {لَيْلًا} وهذا إعلام بتلبية طلبه بإهلاك القبط وإنجاء بني إسرائيل {إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ} 23 من فرعون وقومه، فخرج بهم إلى البحر فدخله وقومه، ثم تبعه فرعون وقومه فدخلوه وراءهم حتى صاروا جميعا فيه، قال تعالى: {وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهوا} ساكنا على حالته حتى يكمل خروج قومك منه ويكمل دخو ل ال فرعون {إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ} 24 كلهم جميعا لا محالة وأنت وقومك كلهم ناجون فلا تستعجل، فامتثل أمر ربه، ولما تم خروج بني إسرائيل وتكامل دخو ل القبط أمره ربه أن يأمر البحر ينطبق عليهم، فأمره فانطبق عليهم، فلم ينج منهم أحد، كما لم يغرق من بني إسرائيل أحد، ثم نعى اللّه تعالى حال المغرقين بعد أن اطمأن موسى وقومه فقال: {كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} 25 تدفق بين البساتين {وَزُرُوعٍ} متنوعة تركوها {وَمَقامٍ كَرِيمٍ} 26 محل قعود مزخرف عظيم بناؤه كانوا ينعمون به وليس بمقام واحد بل مقامات كثيرة بدليل التنكير {وَنَعْمَةٍ} جليلة وهي نعم كثيرة أيضا عظيمة {كانُوا فِيها فاكِهِينَ} 27 ناعمين أشرين بطرين، لأنهم لم يقدروها ولم يشكروها، لذلك حرموا منها {كَذلِكَ} مثل هذا الفعل الفظيع أفعل بأعدائي فيذهبوا هدرا {وأورثناها} تلك البساتين والأنهار والقصور وغيرها.
{قَوْمًا آخرين} 28 هم بنو إسرائيل إذ عادوا إلى مصر بعد ذلك واحتلوا محالهم {فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ} إذ لا عمل صالح لهم يصعد إلى السماء أو يعمل في الأرض لتفقداه فتبكيان على فقده بخلاف المؤمنين فإنهما تبكيان عليهم لأن لهم فيها عملا صالحا قارا وصاعدا، وذلك لأن السماء تبكي على فقد عبد كان لتسبيحه وتكبيره وتهليله وقراءته فيها دوي كدوي النحل، وإن الأرض تبكي على فقد عبد كان يعمرها بالقيام والركوع والسجود والقعود للصلاة والاعتكاف والذكر وللإصلاح بين الناس قال النابغة:
بكى حارث الجو لأن من فقد ربه ** وحوران منه جاشع متضائل

وقال جرير:
لما أتى خبر الزبير تواضعت ** سور المدينة والجبال الخشع

وقال الفرزدق يرثي عمر بن عبد العزيز:
الشمس طالعة ليست بكاسفة ** تبكي عليك نجوم الليل والقمرا

أي لا تعجب كيف طلعت في زمن حقها أن لا تطلع أوتطلع كاسفة.
والقمر منصوب بواو المعية ونجوم منصوب بكاسفة، وقرأ بعضهم برفع {النجوم} و{القمر} على أنهما فاعل تبكي، والأول أولى تدبر.
ونقل صاحب الكشاف عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما من مؤمن يموت في غربة غابت فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض».
{وَما كانُوا مُنْظَرِينَ} 29 لوأنهم طلبوا الأنتظار حين نزول العذاب ولم نمهلهم، لأنه وقع في وقته المقدر، وهو لا يتقدم ولا يتأخر {ولقد نَجَّيْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مِنَ الْعَذابِ الْمُهِينِ} 30 هو قتل أبنائهم واستحياء نسائهم للخدمة والاسترقاق، ولا هو ان يضاهيه، ولا مهانة تس أو يه، وتلك الحقارة عليهم.
{مِنْ فِرْعَوْنَ} وقومه وملائه {إِنَّهُ كانَ عالِيًا} على ما في أرض مصر وتوابعها أجمع متكبرا عليهم متجبرا يفعل فيهم ما يشاء، عاتيا {مِنَ الْمُسْرِفِينَ} 31 في أنواع الظلم، إذ تجاوز حده حتى انه ادعى الربوبية {ولقد اخْتَرْناهُمْ عَلى عِلْمٍ عَلَى الْعالَمِينَ} 32 لأنا قدرنا أن يكون منهم أنبياء وأولياء وملوك وأمراء وأناس صالحون لزمانهم {وآتيناهم مِنَ الآيات} بعد إنجائهم من الفرق الذي هو الآية الكبرى بحقهم وإغراق أعدائهم بان واحد وإنزال المن والسلوى عليهم وإظلالهم بالغمام وتفجير الماء من الصخرة في التيه وغيرها {ما فِيهِ بَلؤُا} اختبار وامتحان {مُبِينٌ} 33 ظاهر لننظر كيف يعملون، ونظهر لمن بعدهم ذلك، ونري من عاصرهم إياه، وإلا فنحن عالمون بما يقع منهم قيل خلقهم، راجع قصتهم مفصلة في الآية 52 فما بعدها من سورة الشعراء في ج 1، قال تعالى بعد أن قص على حبيبه ما جرى لموسى مع قومه {إِنَّ هؤُلاءِ} قومك يا سيد الرسل {لَيَقولونَ} 34 لك عند ما تخبرهم بالبعث بعد الموت {إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الأولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ} 35 بعدها مرة ثانية ويقولون لك لفرط {جهلهم فَأْتُوا بِآبائنا} الذين ماتوا قبلنا {إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ} 36 أنا نحيا بعد الموت.
قال تعالى: {أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ} ملك اليمن، قالوا إن المراد به أسعد بن مليك المكنّى بأبي كرب، وكانت ملوك اليمن تلقب بلفظ تبع، كما أن ملوك الحبشة تلقب بالنجاشي والروم بقيصر والفرس بكسرى والقبط بفرعون والترك بخاقان والعرب بالخليفة، وسمي تبعا لكثرة أتباعه بالنسبة إلى غيره في ذلك الزمن عدا قوم الملك حمير لأن الملك كان فيهم، يقول اللّه تبارك وتعالى يا أكرم الرسل إن قومك المتطاو لين عليك ليسوا بأحسن من قوم تبع لا في العمل، ولا أقوى منهم في الشدة، ولا أكثر منهم في الأموال والأولاد والعدد والعدد، فلما ذا يتطاولون عليك؟ قالوا وكان تبّع سار بقومه وجيوشه نحوالمشرق وحيّر الحيّرة وبنى سمرقند وعاد إلى المدينة حيث ترك ابنا له فيها عند ذهابه، وعلم أن أهلها قتلوه غيلة وصار يقاتلهم لأجله، وصمم على استئصالهم وتخريب بلدتهم، وصار أهلها يقاتلونه نهارا ويقرونه ليلا، فقال إن هؤلاء لكرام، ثم جاءه حبران عالمان من بني قريظة وقالا له أيها الملك لا تفعل ما صممت عليه وإن أبيت أن تسمع قولنا حيل بينك وبين ما تريد، ولم نأمن عليك عاجل العقوبة، قال ولم؟ قالا إن هذه المدينة مهاجر نبيّ يخرج من قريش اسمه محمد، وسيكون في منزلك الأن قتال بين أصحابه وعدوهم، قال ومن يقاتله وهو نبي؟ قالا قومه، فانكف عن قتالهم وعدل عن استئصالهم وتخريب بلدتهم، وترك دم ابنه حرمة لما قالوه، وقفل إلى اليمن وأخذ الحبرين مع نفر من اليهود معه بغاية الإكرام، فصادفه بالطريق نفر من هذيل وقالوا له ندلك على بيت فيه كنز من لؤلؤ وزبرجد وفضة، قال ما هو؟ قالوا له مكة وأرادوا بذلك إهلاكه لأن مكة لا يقصدها أحد بسوء إلا أهلكه اللّه كما هو متعارف بينهم، فاستدعى الحبرين واستشارهما في ذلك، فقالا له لا تفعل، لأن هؤلاء لم يريدوا نصحك وإنما أرادوا قتلك لأن هذا البيت لا يناوئه أحد إلا هلك فاتخذه مسجدا وانسك عنده وانحر واحلق رأسك وأكرمه واصنع عنده ما يصنعه أهله، فقال أفعل وأخذ النفر من هذيل وقطع أيديهم وسمر أعينهم ثم صلبهم ودخل مكة فنزل الشعب الطامح ونحر فيه ستة الاف بدنة وكسا البيت بالوصائل وهي برود تصنع باليمن وهو أول من كساه كما أن أول من سمي تبعا أول ملوك اليمن، وأقام فيه ستة أيام، وطاف وحلق، وانصرف، فلما دنا من اليمن حال من فيها من قومه بينه وبين دخو له، لأنه ترك دينهم، فخطب فيهم ودعاهم إلى الإيمان باللّه وحده وهو خير من دينهم، لأنهم عبدة أوثان، فطلبوا منه أن يتحاكموا إلى النار التي هي أسفل جبل عندهم ومن شأنها أن تحرق الظالم ولا تضر المظلوم، فوافقهم على ذلك، فخرجوا بأوثانهم وما يتقربون به إليها في دينهم، وخرج هو والحبران وما معهما من الكتب في أعناقهما، وقعد الفريقان عند مخرج النار، فخرجت وغشيتهم، فأكلت الأوثان وما قربوه لها معها، والرجال الذين كانوا يحملون القرابين، وخرج الحبران يتلوان التوراة، ونكصت النار حتى رجعت إلى المحل الذي خرجت منه فأعلن تبع إيمانه باللّه وأصر قومه على الكفر، فذمهم اللّه {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ} من الأمم الكافرة وأخبر عن مصيرهم بقوله جل قوله: {أَهْلَكْناهُمْ} بكفرهم وعدم انقيادهم للإيمان كما أهلكنا قوم تبع هؤلاء بسبب عنادهم.
قالوا وكان هذان ومن معهم أصل اليهود في اليمن، وان تبعا امن بمحمد حسب إخبارهما له عنه قبل مبعثه وو لادته، وكان بينه وبين مبعثه سبعمئة سنة، ومما نسب لتبع هذا قوله:
وكسونا البيت الذي حرم ** اللّه حلاء معصيا وبرودا

وأقمنا به من الشهر عشرا ** وجعلنا لنا به إقليدا

وخرجنا منه نؤم سهيلا ** قد رفعنا لواءنا معقودا

هذا وأخرج أحمد بن حنبل في مسنده عن سهيل بن سعد قال: سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول «لا تسبوا تبعا فإنه كان قد أسلم».
وأخرج الحاكم وصححه عن عائشة قالت: «لا تسبوا تبعا فإنه كان رجلا صالحا، ألا ترى أن اللّه تعالى ذم قومه ولم يذمه».
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس قال: لا تقولوا في تبع إلا خيرا فإنه قد حج البيت وامن بما جاء به عيسى بن مريم.
وهذا يدل على أنه بعد مبعث عيسى عليه السلام، والأول أصح لأن الحبرين لم يذكرا عن عيسى شيئا، ولعله امن بما جاء به موسى لأن الحبرين من أتباعه، والحادثة هذه قبل الميلاد بمئة وثلاثين سنة تقريبا، أوأنه عاش لمبعث عيسى عليهم السلام، قالوا وإن الحبرين أخبراه لا يدرك محمدا صلى الله عليه وسلم فأوصى الأوس والخزرج أن يقيموا بالمدينة وأن يؤازروه إذا خرج وهم أحياء، وأن يوصوا من بعدهم بمؤازرته، وقال رحمه اللّه أيضا:
حدثت بأن رسول المليك ** يخرج حقا بأرض الحرم

ولومدّ دهري إلى دهره ** كنت وزيرا له وابن عم

قالوا وكتب كتابا بإيمانه وأودعه لديهم على أن يعطيه لحضرة الرسول العربي من يبلغ زمانه منهم.
قال تعالى: {وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ} 38 لأنه إذا لم يكن بعث ولا حساب يترتب عليه الثواب والعقاب، فيكون خلق الخلق لمجرد الفناء لعبا بل عبثا، وهذا دليل قاطع على البعث.
و لبحثه صلة في الآية 16 من سورة المؤمنين الآتية، فراجعه.
{ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ} الجد الصحيح القاطع {و لكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ} 39 ذلك ولهذا قال المؤمنون {رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا} الكون وما فيه {باطِلًا سُبْحانَكَ فَقِنا عَذابَ النَّارِ} الآية 191 من ال عمران في ج 3، قال تعالى مهددا لهم ولامثالهم من الكفرة {إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ} بين الصادق والكاذب والمحق والمبطل والمؤمن والكافر {مِيقاتُهُمْ أَجْمَعِينَ} 40 قومك فمن قبلهم ومن بعدهم.